حين يعزف المنفى ​، لحن الوطن
المالوف، في أصل تسميته، مشتق من الجذر العربي "أَلِفَ" الذي يدلّ على الاعتياد والأُنس. 

وقد أُطلقت هذه الكلمة على النوبات الأندلسية التي أَلِفها سكان تونس، لم تأت هذه الموسيقى خالية من الوجع، بل مثقلة بالذاكرة والمنفى، فسرعان ما تحولت إلى طقس رمزي يُستعاد به الفردوس المفقود.


مع استقرار آلاف الأندلسيين في تونس  بدأت نوبات المالوف تتغلغل في الأحياء، ثم في القصور. وقد احتضنت الدولة الحسينية هذا الفن في القرن 18، لتشرّعه رسميًا ضمن بلاطها. 


ومع مطلع القرن 20، وبروز حركة وطنية سعت إلى تأصيل الهوية الثقافية التونسية في وجه الاستعمار، تولّت "الرشيدية" (1934) مشروع إحياء المالوف، بتدوينه وتنقيحه من التأثيرات المشرقية، تحت إشراف الموسيقي خميّس الترنان، وبدعم من رواد الحركة الوطنية كعبد العزيز الثعالبي.


في هذا السياق، يوضح المؤرخ حسام شاشية في بحثه "الموريسكيون في تونس: الاندماج والصوت الثقافي" أن المالوف لم يكن مجرد تراث موسيقي مهاجر، بل أداة اندماج وصياغة هوية جديدة للموريسكيين داخل المجتمع التونسي، وأن الدولة الحديثة، في عهد بورقيبة، اتخذته لاحقًا موسيقى وطنية تُبث في الإذاعة وتُدرّس في المعاهد، بوصفه ذاكرة مشتركة لكل التونسيين.


هكذا لم يبقَ المالوف فنًّا خاصًا بالأندلسيين، بل صار أحد أعمدة الموروث الموسيقي الوطني، يعيش في حفلاتنا، ويُؤدى في طقوسنا، ويُدرّس كأدبٍ موسيقي عتيق يربطنا بتاريخ أوسع من حدود البلاد.


كل نوبةٍ من المالوف ليست لحناً فحسب، بل خريطة منسية لمدينة أندلسية غابت، فبقي صداها يعبر الأزمنة...