نكهات لاجئة  : الأندلس على المائدة التونسية
ترك المورسكيون أثراً واضحاً ومتجذراً في المطبخ التونسي بإضافة أصناف جديدة من المأكولات وطرق الطهي لا تزال راسخة في الموائد المحلية.

في مقدمة هذه الأطباق، تحضر الشكشوكة، الطبق الشعبي التونسي بامتياز، الذي يجد جذوره في طبق "أوليا" (Olia) الإسباني، المنتشر في بلنسية وكاتالونيا. 

تطور هذا الطبق في بيئة جديدة، لكنه حافظ على جوهره: البيض، الطماطم، الفلفل، والتوابل، ممزوجة في قدر واحد، تعبيرًا عن وحدة النكهات وسط تنوّع المنفى.


أما عين السنيورة، فتجسّد بُعدًا بصريًا وسرديًا معًا. عجينة رقيقة تُقطّع إلى اشكال دائرية وتُزين بنصف بيضة مسلوقة بعد إخراجها من الفرن. تشبه هذه الوصفة إلى حد بعيد فطائر البحر الأبيض المتوسط، وتُعرف اليوم في بعض المناطق باسم "المالح والحلو"، لكنها تحتفظ باسمها الموريسكي المرتبط بلقب "السيدة" (Señora)، في إشارة إلى الأصول الإسبانية


وفي عالم المعجنات المالحة، يبرز طبق البناضج (Empanadas)، الذي لا يزال حاضراً في موائد المناسبات. وهي فطائر محشوة باللحم ومطبوخة في الفرن، وتحيط بها أساطير تتناقلها الألسن، تقول إن بعض الموريسكيين خبّأوا الذهب داخلها أثناء تهجيرهم.


المرقة الزعراء بدورها تُعدّ تعبيرًا صريحًا عن الذوق الأندلسي الراقي، الذي يقدّر التوابل الثمينة ويجعل من الزعفران أساسًا للنكهة واللون. كانت هذه المرقة، في عمقها، طبقًا احتفاليًا، ترتبط بالمناسبات الكبرى، ويُحضَّر فيها اللحم أو الدجاج في مرق مُذهّب، كأنها تقول إن المنفى لم يكن سببًا في التخلي عن الأناقة في التقديم.


، يحتل المرقاز (Collares) مكانة خاصة، وهو نوع من النقانق الحارة يعود أصله إلى التقاليد الأندلسية في حفظ اللحم وتتبيله . حافظ هذا الطبق على صيغته الأساسية، لكنه أصبح بمرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من المائدة التونسية، يقدم في المناسبات والأعياد ويُطهى بطرق متنوعة.


أما الحلالم، وهي معكرونة مصنوعة يدويًا من السميد، فتُعتبر نموذجًا على المهارة الموريسكية في الطهي المنزلي. تُجفف بعد تشكيلها وتُطهى في مرق غني، وغالبًا ما تُزين بالجبن المبشور، في تعبير عن تزاوج التقاليد الإسبانية مع مكونات البيئة المحلية.


وفي عالم الحلويات، يلمع كعك الورقة كواحد من أبرز رموز الذوق الموريسكي في تونس، خاصة في زغوان. وهو معجّن دقيق الشكل، يُحضّر بعجينة رقيقة تحشى بمعجون الفواكه وتُلف بعناية، ويُعطر بماء الورد. لا يكتفي هذا الكعك بإرضاء الحواس، بل يروي فصلاً من الفصول  الأندلسية التي انتقلت إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.

تلك الأطباق ليست مجرد وصفات، بل هي نصوص ثقافية
 خُطّت بالزعفران والتوابل والبيض والجبن، وصمدت في وجه النسيان، لتصير اليوم جزءًا من هوية تونس الغذائية. ومن خلالها، تواصل الذاكرة الموريسكية سرد حكايتها... ولكن هذه المرة عبر المذاق.