شكلت السنوات الممتدة بين 1609 و1614 مرحلة فارقة في تاريخ الضفة الجنوبية للمتوسط، حين تدفقت موجات الموريسكيين المهجرين قسريا من إسبانيا باتجاه سواحل المغرب الإسلامي، ومن ضمنها إيالة تونس العثمانية.
وفي هذا السياق، يقدّم المؤرخ التونسي حسام شاشية قراءة دقيقة لمسألة التوطين في كتابه "المشهد المورسكي: سرديات الطرد و توطين المورسكيين"، لا تكتفي بسرد الحدث، بل تغوص في البنية الاجتماعية والسياسية التي شكّلت هذا الاستقبال وأعادت تشكيل المجال التونسي في مطلع القرن السابع عشر.
فتوطين الموريسكيين لم يكن مجرد عملية لجوء جماعي أو "إحسان سلطاني"، بل كان حدثًا تاريخيًا مركّبًا له رهانات ديمغرافية، سياسية، واقتصادية واضحة.
فقد استقبلت تونس، بين 1609 و1614، قرابة 80 ألف موريسكي، وهو رقم ضخم بمقاييس ذلك الزمن، وتركّزوا في عدة مناطق تونسية ، بالإضافة إلى بعض القرى الداخلية مثل بني خيار، زغوان، تستور، وسليمان وفق شاشية .
كما أن اختيار مواقع الاستقرار لم يكن اعتباطيًا، بل كان خاضعًا لتخطيط سلطاني عثماني ومحلي، يتقاطع فيه البعد الأمني مع الحاجة إلى استصلاح الأراضي وإنعاش الاقتصاد الزراعي والتجاري. فـ"المورسكي" بالنسبة للسلطة التونسية لم يكن مجرد لاجئ، بل كان فلاحًا متمرسًا، وحِرَفيًا ماهرًا، وتاجرًا ذا شبكة متوسطية، وهو ما جعل إدماجه هدفًا إستراتيجيًا.
يرى شاشية أن تجربة توطين الموريسكيين في تونس، رغم كونها ولّدت بعض التوترات، إلا أنها كانت في المجمل نجاحًا حضاريًا وبنيويًا. لقد ساهم هؤلاء الوافدون في تحديث الزراعة، وتوسيع شبكات التجارة، وتعزيز الطابع الحضري والثقافي لعدة مناطق تونسية، وهو ما جعل حضورهم دائمًا لا مؤقتًا، وتحوّلهم من "لاجئين" إلى مكوّن أصيل في النسيج التونسي